الاثنين، 4 مايو 2009

الكاتب حسن عجمي : كل ما يفكّر فيه الإنســــان هو صـادق



الكاتب حسن عجمي


كل ما يفكّر فيه الإنســــان هو صـادق

يواصل الباحث اللبناني حسن عجمي الحفر في مشروعه الفلسفي «السوبري» ان جاز التعبير والذي انطلق تقريبا مع كتاب «السوبر حداثة» الصادر عام 2005 وتواصل مع عناوين «السوبر مستقبلية» و«السوبر معلوماتية» وايضا «السوبر تخلف» وهو ما يعتبر كانتاج فكري فلسفي متراكم وفق ايقاع سريع يصعب ان يضاهيه فيه احد عربيا .
ويركز حسن عجمي هذه المرة الذي تبنته وفي اطار المشروع الدار العربية للعلوم على ما يسميه بالسوبر مثالية ومن خلالها توقف عند مفاهيم عديدة على غرار الهوية السوبرمثالية والمعرفة السوبرمثالية والوعي السوبرمثالي وكذلك اليقين والقيمة والعلم والكون والانسان السوبرمثالية.

يقول الباحث في اصداره الجديد ان السوبرمثالية تنص على ان كلما يفكر فيه الانسان هو صادق لانه صادق في عالم ممكن او آخر. بمعنى انه بالنسبة الى السوبرمثالية اذا فكر الانسان بشيء اذن ذاك الشيء صادق في كون ممكن وهو موقف يصفه عجمي بالانسانوي حيث يغدو الانسان محور الممكنات والعوالم الممكنة الموجودة فعلا.
ويضيف الباحث في هذه النقطة ان السوبرمثالية تقول ان الفكرة تخلق صدقها الممكن وكل ما يفكر فيه العقل من دون خرق المنطق كعدم الوقوع في التناقض يوجد ما يطابقه في عالم ممكن. اما الفرق الاساسي بين المثالية والسوبرمثالية فيتمثل في انه بالنسبة الى المثالية العقل يخلق الموجود لكن بالنسبة الى السوبر مثالية اذا فكر العقل، وُجد الموجود والعكس لارتباط العقل والوجود رياضيا. يقول عجمي «الان السوبرمثالية تدرس كيف ان العقل يحدد الاكوان الممكنة، لكن السوبرحداثة تدرس الاكوان الممكنة بالذات ومن هنا لا نستطيع ان نفرق بين ميدان السوبرمثالية وميدان السوبرحداثة».
وفي خصوص مفهوم الهوية السوبرمثالية ذكر الباحث ان هوية الانسان غير محددة لكن العقل يحدد هوية الانسان من خلال ادراكه خصوصا ان حتى ادراك الآخرين ضروري لوجود هوية الافراد، لذلك فانه رغم أن الهوية غير محددة في ماهيتها فهي محددة في وجودها وهذا يعني ان الهوية حقل تفاعل بين المحدد واللامحدد.
وقد يتساءل القارئ كيف يتم التعاطي مع الفن والادب والفكر من منطلق السوبرمثالية؟
يجيب حسن عجمي ان اي عمل ابداعي كالفن والادب والشعر والفكر فانه ينقسم الى عنصر محدد وعنصر آخر غير محدد وضرب الباحث في هذا السياق مثالا يتعلق بالخطاب الصوفي مبينا كيف ان الكفر والايمان معا في خطاب الحلاج وغيره من المتصوفة وخاصة بادعائهم بحلول الله في ذواتهم.. بل ان الحلاج ذاته قد اعلن كفره في بعض شعره ونثره: «هكذا يوجد المحدد كما يوجد اللامُحدد في التصوف فمن المحدَّد ان التصوف عملية ايمان بالله لكن من غير المُحدد في الآن ذاته ما اذا كانت النتيجة هي الايمان بالله. وكلما زادت عملية حب الله في التصوف والايمان به زادت لامحددية خطابه».
ومن هذا المنطلق استنتج الباحث ان ازدياد عملية الفن للفن ادت الى التجريد في الفن ومن ثم الى اعتبار ان اية أداة كعلبة الطماطم مثلا قد تغدو فنا اذا وضعت في متحف فني.


آمال موسى

تونس ـ الصباح









الرابط : http://www.assabah.com.tn/pop_article.php?ID_art=3279





السبت، 2 مايو 2009

حسـن عجمـي: أنـا غيـر محـدَّد إذاً أنـا موجــود



حسـن عجمـي: أنـا غيـر محـدَّد إذاً أنـا موجــود




يختلط الأمر على الذي يعرف حسن عجمي: هل هو شاعر ام مفكر يسعى إلى بناء عمارة فكرية مميزة ام مستكشف لميادين جديدة من التفكير العلمي والأدبي سواء في «مقام الراحلين» (شعر ـ 2000) او في «معراج المعنى» (نقد ـ 2001) او في «مرايا العقول» ـ الشعر العلمي (2003). ومنذ كتابه «مقام المعرفة ـ فلسفة العقل والمعنى» (2004) اتخذ انتاج عجمي طابعاً فكرياً يستند الى معالجة القضايا الفلسفية معالجة تتراوح بين المنهج التحليلي والمنهج التفسيري. ثم جاء كتابه «السوبر حداثة» (2005) ليعالج الأكوان الممكنة واللامحدد، ثم «السوبر مستقبلية» _2006) قائلاً إن التاريخ يبدأ من المستقبل، ثم «السوبر أصولية» (2007) التي تعتبر الاصول الدينية محددة في المستقبل فقط، وأننا نحن ـ الحاضر نصنع التراث، ثم «السوبر معلوماتية» (2007) «فالسوبر تخلف» (2007)، وأخيراً «السوبر مثالية» (2007). واليوم يطل علينا عجمي بكتابه الجديد «الميزياء» بعد ذلك الحشد من «السوبرات» مفتتحاً ميادين معرفية تتناول العلاقة بين الجيزياء (ما يجوز) والحيزياء (الحيز). وفي ركن هادئ من مقاهي الروشة التقينا بحسن عجمي وكانت هذه المأدبة من الاسئلة والاجوبة:
أنت لم تتجاوز الثامنة والثلاثين، ما قصة هذا السيلان من الكتب والمؤلفات؟ هل هو هوس في الكتابة والتأليف الفلسفي فكل ثلاثة أشهر يصدر لك كتاب فلسفي جديد؟

- أكتب لأعبر عن إنسانيتي. لذا من غير المستغرب الكم الكبير من الكتب التي اؤلفها لان الإنسان في ذاته متنوع ومتشعب وبلا حدود. مهنتي هي الكتابة وليس من السهل الكتابة في الفلسفة. طبعاً بالنسبة إليّ المسألة سهلة، لأنني تمرنت على التفكير الفلسفي في الجامعة الاميركية في بيروت ثم في جامعة كولومبيا في نيويورك.
نلاحظ غياباً لذكر المراجع الفلسفية في كتاباتك مع أن ذكر المراجع الفلسفية أمر ضروري لكل مفكر او فيلسوف.
ثمة مراجع فلسفية وعلمية في بعض كتبي. فمثلاً في كتاب «مقام المعرفة» هناك ما يزيد على مئة مرجع. وفي كتاب «السوبر أصولية» يوجد ما يتجاوز الستين مرجعاً. استخدامي للمراجع يعتمد على سياق الكتابة. بعض كتبي لا تعتمد المراجع مثل كتاب «السوبر تخلف». لان هذا الكتاب لا يعتمد على اي فكرة متداولة بين المفكرين. فالسوبر تخلف مصطلح جديد وقد عالجته ضمن معادلات رياضية ابتكارية. هذا الاسلوب من الكتابة الرياضية غير شائع لذا من الطبيعي ان لا اعتمد على اي مراجع فيه.
فلسفة جديدة
هل فلسفتك خاصة بك ام تعتمد على فلسفات آخرين تعيد صوغها بأسلوبك الخاص، بأي خصوصية تعامل مع الفلسفة؟

- أحاول ان اقدم فلسفة جديدة، ومعالمها الاساسية هي السوبر حداثة التي تضم السوبر مستقبلية والسوبر أصولية والسوبر تخلف والسوبر مثالية. على هذا الاساس ادرس الأكوان الممكنة والمستحيلة واعتمد على اللامحدد في تفسير الظواهر والحقائق. ميزة الفلسفة التي احاول طرحها هي انها مصوغة من خلال المنطق العلمي ومعتمدة على النظريات العلمية المعاصرة.
التعريفات الفلسفية هجرها الفلاسفة المحدثون واصبحت تعود الى زمن مؤسسي الفلسفة والعلوم. ما سبب العودة من جديد للتعريفات الفلسفية في كتبك؟
- الفلاسفة في العالم، قديماً ام حديثاً، لم يهجروا تعريف المفاهيم والمصطلحات الفكرية والعلمية، بل إن احدى الوظائف الاساسية للفلسفة تقديم تعاريف للمفاهيم المختلفة. وهذا ما يشترك العلم معه ايضاً. فمثلاً أينشتاين يعرف الجاذبية على انها انحناء الزمكان. لكننا نحن العرب هجرنا التفكير الفلسفي والعلمي. لذا، كان لا بد من التأسيس مجدداً، ومن العودة الى التعريفات الفلسفية.
لماذا التركيز على علاقة الفلسفة بالفيزياء بينما الفلسفة علاقتها الجوهرية بالإنسانيات والفنون؟

- الفيزياء هي الاكثر علمية بين العلوم كالكيمياء والرياضيات. من هنا كان من الضروري الاعتماد على الفيزياء لاقدم اساسا صلبا للفلسفة التي اطرحها. طبعا ما زالت الفلسفة مرتبطة بالإنسانيات وبالفنون بشكل جوهري، وقد عالجت هذا الارتباط في كتبي المختلفة، لكن انطلاقاً من الفيزياء ونظرياتها العلمية المعاصرة كنظريات ميشيو كاكو ولي سمولن وليونارد سسكين. هؤلاء الفيزيائيون يستنتجون ان الأكوان الممكنة فعلا موجودة، وهذا يقدم الاساس العلمي لأبحاثهم. ولقد درست الإنسانيات في معظم كتبي انطلاقاً من فلسفة السوبر حداثة المعتمدة على العلوم. فمثلاً الإنسان كائن غير محدد، ولهذا فهو قادر على التكيف والتأقلم مع المتغيرات مما يضمن نجاحه وبقاءه. هذه الفكرة تعتمد على مبدأ اللامحدد في ميكانيكا الكم. التكنولوجيا لا تكفي.
في الماضي كانت الفلسفة تقود العالم. اما اليوم فالتكنولوجيا تقود العالم. هل هذا السبب يجعلك تجنح للاستعانة بالعلوم لتأسيس الفلسفة من جديد؟
- التكنولوجيا وحدها لا تحكم ولا توجه العالم، بل قبول العلم وإنتاجه هما الأساس في بناء الحضارة الحديثة. فالتكنولوجيا وحدها من دون علوم ومن دون فلسفة منطقية تؤدي إلى السوبر تخلف. التكنولوجيا متاحة اليوم لنا، لكنها تؤدي الى تطوير تخلفنا، لأننا لا نشارك الحضارة الحديثة في إنتاج العلوم. ولان الفلسفة متواصلة مع العلم، فهما معا جوهر التفكير الإنساني الاصيل والمستقبلي. وعلى اساس هذا التواصل نبني حضارتنا ومجتمعاتنا. ولأننا نرفض الفلسفة خسرنا حضارتنا، ولم نتمكن من بناء مجتمعات حقيقية بل نحن منقسمون الى قبائل متصارعة ومحكومة بالأوهام.
الى أين تتجه الفلسفة اليوم؟

- لم يعد هناك فاصل جذري بين الفلسفة والعلوم، فالفلسفة اليوم تواكب مسارات العلوم وتوجهاتها والعكس صحيح. فمعظم العلماء الكبار اليوم هم فلاسفة. والعكس صحيح. والاسئلة في الفلسفة وفي العلوم اصبحت اليوم اسئلة مشتركة.

هل كتابك الصادر مؤخراً «الميزياء» بداية لسلسلة جديدة من المؤلفات تتكرر على منوال «سوبراتك» السابقة؟

- قد يكون كذلك وقد لا يكون. فأنا لا استطيع التنبؤ بطبيعة الأفكار التي سوف اعالجها. ولم يكن هناك مخطط مسبق لانتاج سلسلة «السوبرات»، بل ان كل كتاب منها استدعى تأليف كتاب آخر.
يغلب على كتبك السوبرات الست طابع البحث العلمي والمنهج التحليلي والتفسيري، بينما يغلب على كتبك الشعرية طابع التجريب المستند الى تطورات الحداثة وعلاقة الشعر بالعلوم، هل أنت شاعر ام مفكر ام الاثنان معا ام متأرجح بينهما؟
- كل الميادين الابداعية مترابطة ومتواصلة وتشكل حقلاً معرفياً وابداعياً واحداً. لذا من الطبيعي ان انتقل من الشعر الى الفلسفة ومن الفلسفة الى الشعر، وان اكتب ما يسمى بالشعر العلمي. ويستخدم الشعر العلمي مصطلحات العلم كالثقوب السوداء والانفجار العظيم. وهذا يضمن ان يكون للشعر والأدب معنى وهدف يواكب معاني العلوم وأهدافها. أما أنا فمجرد إنسان يسعى الى تحقيق إنسانيته من خلال الفلسفة والشعر معاً.

هل أنت مع ديكارت «أنا أفكر اذن أنا موجود» ام مع سارتر «أنا موجود اذن أنا افكر» أم أنت خارج هاتين النظريتين؟
- أنا مع «أنا غير محدد، اذن أنا موجود». فاللامحدود وحده هو الذي ينشأ ويبقى ويستمر لكونه غير محدد، مما يضمن نجاحه في التكيف والاستمرار. لذا، فالكون كله غير محدد ولذا هو موجود. وهذا يفسر نجاح نظرية ميكانيكا الكم التي تقول مبدأ اللامحدود.
ما مدى استفادتك من الفكر الماركسي. ام انك تميل اكثر الى فكر هيغل او كانط؟

- أحاول ان اخرج من الأفكار الفلسفية المسبقة رغم تأثري بمعظم الفلاسفة والعلماء. لقد قدم ماركس نظريته على اساس انها نظرية علمية وكان مستنداً إلى علوم عصره. اما أنا فأستند الى علوم بداية القرن الواحد والعشرين. وأنا انطلق من تاريخ العلم وتطوره وليس من تاريخ المقدس. فالعلم عملية تصحيح مستمرة.

هل هجرت العلاقة بفلسفة التاريخ الهيغلية ـ الماركسية ام ما زلت تستعين بها؟

- التاريخ يبدأ من المستقبل. هذه هي فلسفة السوبر مستقبلية المرتبطة بشكل اساسي بالسوبر حداثة. لا بد من كتابة التاريخ انطلاقاً من المستقبل بدلاً من الانطلاق من الماضي. بذلك نتحرر من سجون التاريخ ويقينياته الكاذبة.

صفوان حيدر - السفير




الأربعاء، 22 أبريل 2009

السّوبر مستقبليّة الأدبيّة نموذج 'سوسن الفينقا' لمحمّد خريّف



السّوبر مستقبليّة الأدبيّة نموذج 'سوسن الفينقا' لمحمّد خريّف


حسن عجمي
السّوبر مستقبليّة مذهب فلسفيّ يحلّل المفاهيم ويقدّم الحلول للمشاكل الفكريّة من خلال مفهوم المستقبل. فإذا نظرنا إلى أيّ شيء سنجده يفقد صفاته كلّها عبر الزّمن، لذا يبدو أن لا وجود لماهيات للأشياء. لكن في المقابل إذا لم توجد ماهيات للأشياء، إذن سيزول الفرق بين الأشياء، وهذا محال. فكأنّه توجد الماهيات وكأنّه لا توجد. من هنا، تستنتج السّوبر مستقبليّة أنّ الماهيات قائمة في المستقبل فقط علما باْن المستقبل لا يتحقّق كليا في الحاضر والماضي وبذلك يظلّ مستقبلا. على هذا الأساس تعتبر السّوبر مستقبليّة أنّ المعاني أيضا تتشكّل في المستقبل. من هذا المنطلق نتمكّن من بناء السّوبر مستقبليّة الأدبيّة الّتي تقول إنّ النصّ يتكوّن في المستقبل، ولذا هو غير محدّد في الحاضر والماضي. باختصار، تدرس السوبر مستقبلية الأدبية النصّ على ضوء لا محدّديته وتشكّله في المستقبل. سنستعين بكتاب 'سوسن الفينقا ' لمحمّد خريّف كنموذج لتطبيق السّوبر مستقبليّة الأدبيّة.
يبدأ محمّد خريّف كتابه قائلا انّه لا يقف ولا يبكي بل يسير على ورق فينسى بسطوره فاجعة الفينقا. سيرنا على الورق يدلّ على أنّنا حبر لا يحيا خارج الأوراق. لكنّ أوراق خريّف تتكاثر 'في مخيّلةالتّراب' لذا أكّد في سياق كتابه اْنه يهتف من قبره(محمّد خريّف سوسن الفينقا. ص8). وعبارته ' اْهتف من قبري ' تشير إلى اْنّه حيّ وميّت في آن معا. ولكن من المستحيل أن يكون الفرد حيّا وميتّا في الوقت ذاته. إذن من غير المحدّد ما إذا كان الفرد حيّا أم ميتّا. حقيقة أنّ الأنا غير محدّدة تسيطر على النّصّ كلّه فتشكّله وتبنيه. هكذا تتمكّن السّوبر مستقبليّة الأدبيّة من دراسة النصّ الأدبيّ علما بأنّها تؤكّد أنّ النّصوص محكومة بمبدأ اللاّمحدّد.
يعبّر محمّد خريّف عن لا محدّدية الأنا بطرق مختلفة، فالنصّ الأدبيّ سعي نحو معرفة اللاّمحدّد وتحديده. لكن من المستحيل تحديد اللاّمحدّد علما بأنه غير محدّد. لذا لا ينتهي النصّ بل يستمرّ في توالد دواته ومعانيه. يقول'ينتصب الرّاوي قائما في المقبرة' (ص 7 ). هكذا من غير المحدّد ما إذا كنّا أحياء أو أمواتا. يضيف معبّرا عن لا محدّدية الأنا 'أنا الآن في حالة بين بين (ص 8 )، 'ولا اْخرج من بطن أمّي إلاّ بتأشيرة من ضابط الحالة المدنيّة علّه لا يوافق على مولود لا هو ذكر ولا أنثى ولا هو ميّت أو حيّ' (ص 37 )، 'أتجدّد في كفني' (ص 73 )، 'وأنا أسبح الآن في بركة انشطار لا أتبيّن فيها جنسي' (ص112- 113 )، 'فاْنا لست أنا' (ص 118 )، واْنبت أنا بلا هويّة ' (ص 147 ). لا محدّدية الأنا هذه تؤدّي إلى لا محدّدية الجسد ولا محدّدية المكان، ' فلا أنا أنثى ولا أنا ذكر ' (ص82. ص117)، ' ما لك تهذي، اْاْنت في استديو التّصوير؟ أم في بطن أمّك ؟ ' (ص28 )، ' اْنحن في اْرض الحبس أم في غرفة الاستنساخ اليوميّ ؟ ' (ص81 )، و' اْاْنا في الحنجرة أم بين الفخذين ؟ لا اْحدّد موقعي ' (ص 147 ). هكذا لا محدّدية الأنا والجسد والمكان تبني النصّ الأدبيّ. فعلى أساس هذه اللاّمحدّدية يتكوّن نصّ محمّد خريّف وتنشاْ عباراته. من هنا، كتاب 'سوسن الفينقا ' مثل واضح على كيف أنّ اللاّمحدّد يحكم النصّ الأدبيّ ويشكّله.
بما اْنّه من غير المحدّد ما هي الأنا والجسد والمكان، إذن من الطّبيعيّ أن تتّخذ الأنا الهويات كافة، وبذلك نصل إلى وحدة الوجود. فعندما تكون الذّات غير محدّدة، لن تختلف عن الكائنات الأخرى ممّا يؤدّي إلى قيام وحدة الوجود في متاهة لا محدّدية الكون، 'اسمه علما يرفرف على جبهتي، تتكرّر نسخة في كل قبر من قبور القرية ' (ص7 )، 'ويغيب وجهك في وجهي' (ص 73 )، ' أولد بكذبة الشّمس تطلع من الشّرق، أنا عائشة، الحسين، سارّة، ويلنسكي، ديانا، ولا نرتكبك في أخلاط الرّحم، لا تنس أسماءنا، ولا نحن نعرفها ' (ص121). لكن وحدة الوجود هذه لا تختلف حقّا عن لا محدّدية الأنا، ' لا اْعرف الآن بالضّبط، اْاْنا أخته أم أمّه أم عشيقته، ذلك لا يعنيني، كيف اْخرج مولوداً مشوّه السّطور، وقسمات الحروف ' (ص 154 ). الطّريق من لا محدّدية الأنا إلى وحدة الوجود هو ذاته الطريق من وحدة الوجود إلى لا محدّدية الأنا.
تعتبر السّوبر مستقبليّة أن الماهيات تتشكل في المستقبل،ولذا تدرس الظواهر من خلال المستقبل. وبما أنّ الماهيات قائمة في المستقبل فقط، إذن من غير المحدّد ما هي الأْشياء والظّواهر في الحاضر والماضي. هكذا نصل إلى السّوبر حداثة كونها تعتمد على اللاّمحدّد من اْجل الوصول إلى المعرفة. فرغم أن الكون غير محدّد من الممكن معرفته على ضوء لا محدّديته. هكذا ننطلق من لا محدّدية الحقائق إلى معرفتها التّي تتجلّى في كتاب ' سوسن الفينقا ' في صورة معرفة وحدة الوجود. فبدلا من أن يعمي اللاّمحدّد أبصارنا يجعلنا نرى بشكل أوضح حقيقة أن كل الأشياء واحدة. ولأنّنا في عالم اللاّمحدّد ووحدة وجوده نبقى في ولادة مستمرّة لا تنتهي كأنّنا حبر على ورق أو مجرّد ورق نكتب دواتنا من دون أن نصل إليها.
السؤال الذي لا بدّ من طرحه هو لماذا الأنا غير محدّدة ؟ نجد محمّد خريّف يصف أناه وذوات الآخرين على أنّها مجرّد أوراق أو حبر على ورق. يقول 'وأنت ورقة على غير هدي' (ص.3). هكذا يشير محمّد خريّف إلى أن لا محدّدية حقيقتنا هي نتيجة حتميّة لحقيقة أنّنا ورق لا غير، والأوراق كافّة من الممكن أن تتّخذ أي ماهية وبذلك تفقد ماهيتها بالذّات. يضيف ' اْنتقل من دكتيلو إلى دكتيلو، اْتّهمك بالتّمرّد ،وأنا ورقة وأظلّ حروفا عالقة بالزّوائد. لأنّ الإنسان كائن ورقيّ بل لغة من حبر وورق تغدو أناه غير محدّدة. ونحن مجرّد كائنات ورقيّة، ولذا لا مفرّ من قيام وحدة الوجود وانتصارها فلا يوجد فارق بين الأشياء ما دامت أشكالا من حبر الكتابة. ولذا نحن كائنات افتراضية بل كل ما هو موجود هو كائن افتراضي..'في المكتبة الإلكترونية ويتحدّث الزّبانية بالشارات الضوئية بأمنية الانتقام يتساوى فيه الناس بالقردة (ص7). ولا تختلف لا محدّدية الذّوات عن حقيقة أنّنا ورق في انتظار الكتابة المؤجّلة دوما ونحن نتمرّغ على ورقة الفينقا في انتظار انتهاء مدّة التأجيل والتّصريح بالحكم اللاّنهائيّ ،أغوص في قشرة الورقة ولا تلدني ، فلن تشهد ولادتي ولن تقرأ ورق الفينقا ، أنا ورقة مفتّتة (ص157).
ليس الانتظار حالة بل رحلة ومعراج،فالحياة بحث عن ولادتها ، والموت لا يأتي للأموات أصلا. كتاب 'سوسن الفينقا' بحث متواصل عن المعاني. فالأنا تسعى إلى تحديد ذاتها ولا تنجح ، والفينقا (رمز صيرورة الموت والحياة واتّحادهما) تبحث عن حقيقتها ولا تصل. 'ولست سوى شارات ضوئيّة تلتحم على جبهاتك وأنت تلاحق مني على شاشتك، أنا الفينقا (ص8). فالفينقا عنوان اللاّ محدّد ومتنه ،' تظلّ مشغولا باسم مولودة تسمّى الفينقا، تراها حين تراها أمامك ، ولا تسجلها في دفتر ولادة أو وفاة (ص12). ولأنّ الفينقا غير محدّدة نبحث عنها دوما ، ' نبحث معا في معجم الاستنساخ عن مدلول لا يتكرّر في ورق (ص18). ولأنّنا لا نصل إلى ماهيتها كونها غير محدّدة إذن' الفينقا ورق'(ص19) يشتدّ بياضه كلّما زدناه بياضا. ولكون الفينقا أسطورة اللاّمحدّد وقلبه النّابض لن نتوقّع سوى أنّ ' الفينقا وسواس رجيم'(ص28) و'سجن في أفق التائهة'(ص30). الفينقا متاهة الوجود وحيرته لأنّها تزاوج بين الحياة والموت وبذلك هي استحالة لكنّها استحالة قائمة. لذا تتّخذ الفينقا صفة الكذب والموت المستمرّ.'اسمّي كذبي ورقا للفينقا(ص40)و'يذبحني ورقي'(ص41). على هذا الأساس الفينقا تفضح الإنسان 'أتعرى بورق الفينقا'(ص41). في الفينقا ذاتها تكمن جدليّة الحياة والموت 'لن أولد إلاّ في رحم الفينقا وتجيء أحاديث الفينقا بعد غد ورقا يندثر'(ص42).. ومن هنا 'لن نخرج من قبر الولادة(ص40). ولأنّنا حبر على ورق حيث تتساوى الحياة والموت'وأنا حبر من نطفة الزّيت امسخ في الدقيقة الواحدة آلاف المرات'(ص89) سوف يظل لغزا(ص89). استحالة القراءة ليست سوى استحالة الولادة 'فلن تشهد ولادتي ولن تقرأ ورق الفينقا '(ص97) أتكاثر في الصّباح لغوا...و احسب صورتي فلا يبقى بين أصابعي سوى لطخ من كربون الانتظار(ص114 ). بما أنّنا في حالة بين الموت والحياة فلا موت ولا حياة نحن في انتظار لا ينتهي لأنّنا في بحث مستحيل عن تحديد اللاّمحدّد. لذا نبقى سجناء الانتظار 'انتظر يوم ولادتي احمل رحم أمّي تحملني منايا إلى وطن لا اعرفه لأني لمّا اهجر هذا الرّحم '(ص130-131). نحن سجناء الولادة سجناء تيه الانتظار 'انطلق نطفة تيه أجول في سوق الرّحم (144) و'أتورّط في تيه الانتظار'(ص146).
بما اْنّه من غير المحدّد من هو الإنسان، وبما أنّ الإنسان لا يحيا من دون هويّة وماهية، إذن لن يتشكّل الإنسان سوى في المستقبل. يؤكّد محمّد خريّف في كتابه على هذا حين يقول 'أولد غدا ' (ص.65). فالكتاب عبارة عن عبور نحو المستقبل من اْجل الاقتراب من محدّدية الوجود ومعانيه. ولاْنّ المستقبل لا يتحقّق دفعة واحدة في الحاضر والماضي، إذن سوف يستمر البحث عن ماهية الكون والإنسان ولن يتوقّف. ' ما له يخيفني هذا الورق، الأفضل ألاّ اْروي قصّته الآن ' (ص. 3). لذا تستمرّ ولادة الكلمات على الورق فيتشكّل الكتاب كسفر نحو الحقائق المستترة في الزّمن المستقبليّ الّذي لا يأتي إلاّ خلسة ليختفي بوضوح مؤلم. ' كيف أولد وأنا اْتحدّث عن نفسي؟ (ص 51). هكذا يؤكّد محمّد خريّف على استحالة الولادة. وبما أنّ الولادة مستحيلة، إذن يتكوّن الفرد في المستقبل فقط علما باْن المستقبل يظلّ قائما في المستقبل، وبذلك تبقى الولادة منتظرة الولادة.أخيرا، لقد تتبّعنا نشوء نصّ ' سوسن الفينقا ' وكيفيّة تشكّله على ضوء لا محدّدية الحقائق والوجود، مما جعل نصّ محمّد خريّف كامنا في معانيه المستقبليّة. فرأينا كيف من الممكن للسّوبر مستقبليّة الأدبيّة أن تعالج النصّ الأدبيّ وتعيد صياغته فلسفيّا.






رواية جديدة للتونسي محمّد خرّيف تنشر مستقبلا

تقديم الناقد والمفكر حسن عجمي ( لبنان)

والناقد عبد العاطي الزّيّاني( المغرب)





الأحد، 19 أبريل 2009

السوبر أصولية ..للكاتب الباحث حسن عجمي


قضية للنقاش :
للكاتب الباحث حسن عجمي

السوبر أصولية .. هل يمثل الكتاب السنونوة التي تبشر بالربيع ؟


منذ مدة طويلة لم أقرأ كتاباً يغيرني .. يغير قناعتي أو رؤيتي على أقل تقدير تجاه قضية معينة وأظن أن هذه المشكلة المسكوت عنها أو المغيبة لا فرق هي مشكلة عامة يعاني منها القراء العرب عموماً حيث تنحصر جل الكتب إن لم نقل كلها باستثناءات نادرة في عملية الإعداد والجمع والقص واللزق (الكولاج) ثم توضع صفة (تأليف) في صدر الكتاب!
ويحتار القارئ: ما الذي حدث؟ ويحدث؟ ركام هائل من الصفحات والكتب تترجم معنى البيت الشعري القديم: "ما أرانا نقول إلا معاراً/ أو معاداً من قولنا مكرورا"!
واليوم على منضدتي كتاب جديد صدر حديثاً عن الدار العربية للعلوم - ناشرون في بيروت يحمل عنواناً جذاباً وبراقاً: "السوبر أصولية" .. بيد أن قراءته لا تفقده البريق كما يحدث عادة عند الدخول في التفاصيل بل على العكس لقد زادته القراءة ألقاً والأهم من ذلك كله محاورته الجادة والمتمعنة للأفكار والقناعات وكأن كاتبه المبدع حسن عجمي يخاطب قارئه مباشرة في جلسة ساخنة من النقاش المحتدم بين طرفين أحدهما ينقض الآخر ثم تكتشف في نهاية هذه الجدلية أنك خرجت بمعنى جديد .. أي تغيرت.
وكما في كتابه "السوبر الحداثة" وما قبله من مؤلفات سعى حسن عجمي في مؤلفه الجديد إلى الأسلوب ذاته عاملاً هذه المرة على تفكيك معنى "الأصولية" التي أصبحت الآن الشغل الشاغل للجميع عرباً ومسلمين وغيرهم ليمنحها بعداً مختلفاً مشتقاً من بحثه الجاد والدؤوب وقدرته النقدية الواضحة ليضيف قراءة حقيقية للموضوع الذي يتناوله دون الوقوع في مطب التكرار.
صحيح أن حسن عجمي كثيراً ما يؤكد الجمل والعبارات ويعود إليها للتذكير كمعلم في صف مدرسي ولكن هذه "المثلبة" لا تعد كذلك حين يصل القارئ إلى مؤدى قوله في ختام كل فصل فهو لا يعرض ما يقول فحسب بل يغربله غربلة عنيفة لا سيما وأن موضوع الكتاب يتسع ويمتد ليشمل بحوث العلم والدين والأخلاق والفلسفة واللغة والتصوف وأعلام الفكر العربي والإسلامي .. كل ذلك الإرث المترسخ في الأذهان خلال قرون طويلة عبر 200 صفحة فقط.
ولأول مرة يضع المؤلف المستقبل نصب قلمه لا الماضي والحاضر كما يحدث عادة السوبر أصولية كتاب مذهل يسد فراغاً حقيقياً ولكن هذا التوصيف لا يعني تقييماً له ولا يغني عن قراءته حيث يمكن الخروج بمواقف أخرى ومختلفة ولعل في ذلك ميزته وهدفه وهنا يحضرني السؤال: هل يمثل الكتاب السنونوة التي تبشر بالربيع في قراءتنا المتجددة للتراث ولأنفسنا؟ إذ أن قيمته الأساسية تكمن في خاصيته "الجدلية" المشار إليها .
عبدالله الحامدي

جريدة الراية القطرية









الأحد، 12 أبريل 2009

الضيمياء للكاتب حسن عجمي: فلسفة الخروج من سجن المسلمات


الضيمياء للكاتب حسن عجمي :
فلسفة الخروج من سجن المسلمات

يعرّف الكاتب مصطلح "الضيمياء" وهو من بنات أفكاره بأنه مذهب فلسفي يعنى بدراسة الضيم الذي نوقع على الأشياء والظواهر من خلال النظر إليها بأنها مجرد أدوات لدينا. ويضيف بأن الضيمياء فلسفة الظلم التي تدرس الكيفية التي نحلل بها ونفسر الحقائق والظواهر في ضوء مركزية الانسان، وفي هذا ظلم قاتل نظلم به معارفنا. من هنا يستنتج المؤلف بأن هذا المنهج ضرورة معرفية كي نخرج من سجون مسلماتنا الجاهزة ونتحرر من قيود يقينياتنا الكاذبة. على هذا الأساس، لا بد من أن نعرّي الكون من مصطلحاتنا ومنا أيضاً. الضيمياء، في هذا السياق، دراسة الضيم الذي يقع على الفكر، وبالتالي فهي إظهار الظلم الفكري وإزالته.يطبق الكاتب هذا المنهج الفلسفي على مفاهيم ومسلمات ومسائل لا حصر لها بغية ردها الى جادة الصواب بعد أن يزيل عنها القشرة السميكة من الاستخدام الخاطئ كما يزعم. فضيمياء اللغة وفقاً للكتاب تتمثل في أننا نعتبر خطأ أن اللغة أداة للتعبير عن الحقائق أو أداة للتخطاب في ما بيننا. لذلك يرى الكاتب أننا ننظر الى اللغة نظرة استعلاء وكأننا الأسياد وهي من عبيدنا. لكن الحقيقة هي أن اللغة ليست أداة لخدمتنا. اللغة تخدم ذاتها فقط وتستخدمنا لخدمة ذاتها فقط. وعلى نحو مماثل، يرى الكاتب أن ضيمياء العقل هي أننا نعتبر خطأ بأن العقل أداة لخدمة الانسان. والحق هو أن الانسان في خدمة العقل. العقل، في هذا الاطار، ليس أداة في خدمة أحد، إنه يخدم ذاته فحسب ويستخدمنا من أجل تطوير ذاته وتحقيقها وإبقائها على قيد الحياة.فلسفة من هذا النوع خطوة جريئة بتوجه غير مسبوق، على الأرجح، يستخدمها الكاتب وفي ظنه أنه يعيد الأمور الى نصابها الحقيقي. ومع ذلك، فهو يجتهد، في هذا السياق. آخذاً في الاعتبار أن التدقيق في الكثير من المصطلحات المتداولة، من شأنه أن يزود المعنيين بمناهج البحث المتعددة بأدوات جديدة هي من نسيج الفكر الحديث الذي يفترضه بالضرورة المواقف المعاصرة حيال منظومة واسعة من القضايا الانسانية والفلسفية والعلمية الأكثر إلحاحاً. علي هذا الأساس، على سبيل المثال، يزعم المؤلف أن ضيمياء الكون هي في أننا نظن خطأ بأن الكون قد نشأ من أجلنا فقط. والحق، في هذا الاطار أننا نحن من نشأنا من أجل الكون. وبإمكاننا أن نقيس على ذلك مفاهيم لا حصر لها ولا عد، مثل: المعنى، الحقيقة، الأدب، الجهل، التفكير، الجسد، الكلمة، الواقع والوهم. ولكن ألا يجدر بنا الاعتقاد أن كل هذه المفاهيم والمعتقدات والأشياء والحقائق هي من صنع الانسان نفسه. لا قيمة لها، على الاطلاق، من دون أن يتدخل الانسان فيها مراراً وتكراراً لانتاجها وإعادة انتاجها.




عن نظرية «السوبر تخلف»للكاتب حسن عجمي لابد من تفكيك الأطروحة






ضمن مشروعه النقدي صدر مؤخراً للباحث في الفكر الفلسفي حسن عجمي كتاب تحت عنوان «السوبر تخلف». وهو يأتي بعد أربعة أعمال في المجال الفكري نفسه هي على التوالي: «السوبر حداثة» «علم الأفكار الممكنة 2005»، «السوبر مستقبلية الكون والعقل واللغة 2006»، «السوبر أصولية 2007»، «السوبر معلوماتية 2007».
يقدّم عجمي إلى عمله الجديد بما يمكن وصفه بالتبرير المعرفي لمقولة السوبر تخلف، فيرى تعريفاً، أن الشعب المتخلف هو الشعب الذي لا يُنتج ما هو مفيد للبشرية وللعالم. أما الشعب السوبر متخلف فهو الشعب الذي يُطوّر التخلف، وهو يقصد بذلك الشعب الذي يعيد بسلوكه ونمط حياته إعادة إنتاج عوامل التخلف. وذلك من خلال تقديم الجهل على أنه علم. ونحن العرب والمسلمين كما يقول نحيا اليوم في العصر السوبر متخلف. وعلى ما يقول المؤلف نحن نستخدم العلم من أجل التجهيل، وذلك من خلال تحويل العلم إلى جهل. مضيفاً: إننا لا نُشكّل مجتمعاً، بل نحن مجرد قبائل، ضمن صفين القبائل تتقاتل باستمرار. فلا مجتمع من دون طبقة علماء، ولا أدب ولا شعر ولا فلسفة من دون علم. لذا أمسى أدبنا وشعرنا خالياً من معنى. نحن خارج المعنى، فلا نحن أحياء ولا نحن موتى. وأعظم فيلسوف لدينا هو هولاكو لأنه أحرق تراثنا. لا بد من إعادة حق التراث وصياغته من جديد. نحن الأمة الوحيدة التي لا تعرف تراثها لأنها خالية من فكر جديد. فلا نحن أحياء لكي نموت، ولا نحن أموات لكي نُبعث. بهذه التشاؤمية الحادة سيمضي حسن عجمي ليبيّن العناصر الأساسية لأطروحته.
وهكذا فإن معادلة السوبر تخلف تقوم عنده على الوجه التالي: التخلف= التكنولوجيا. ولذا مع نقص العلوم وزيادة التكنولوجيا يزداد التخلف. وهذا ما أصابنا. فنحن لا ننتج علوماً لكن التكنولوجيا متاحة لنا فنستخدم مثلاً الانترنت والتلفزة الفضائية. هكذا ازداد تخلفنا مع استخدامنا للتكنولوجيا من دون إنتاجنا لأي نوع من العلوم، فالتكنولوجيا في يد الجاهل سلاح قاتل. ولذا بدا حسب عجمي كما لو أن صحفنا وفضائياتنا وصفحات الانترنت الخاصة بنا تدعو إلى الإرهاب وتطور التخلف. هكذا فإن المعادلة السابقة تُفسّر لماذا ازداد تخلفنا رغم حيازتنا للتكنولوجيا. مثل آخر على ذلك امتلاكنا لتكنولوجيا الحرب. ورغم ذلك لم نكسب سوى الهزائم التي هي تجسيد لتخلفنا. فمع امتلاك التكنولوجيا من دون إنتاج العلوم نسقط في هزائمنا المتكررة. سلاحنا يقتلنا لأنه ليس سلاح الحضارة. السلاح الأقوى سلاح الحضارة. والحضارة كامنة في إنتاج العلوم والمعنى.من جهة أخرى، بما أن التخلف= التكنولوجيا، فإنه مع زيادة التكنولوجيا وزيادة العلم معاً يبقى التخلف محافظاً على قيمته ووجوده السابق المعتاد. ومن هنا فعلى الرغم من تطور الغرب في مجالات العلم والتكنولوجيا معاً ما زال الغرب متخلفاً لكنه لم يزدد في تخلفه.
هكذا تُفسّر معادلة السوبر تخلف، لماذا الغرب ما زال متخلفاً رغم تطوره في العلم والتكنولوجيا. لكن المؤلف هنا يميز بين التجربة الغربية والتجربة العربية، ويلاحظ أن تخلف الغرب هو غير تخلفنا، فالغرب متخلف لكننا نحن سوبر «متخلفين». وتخلف الغرب واضح في المسألة التالية: الغرب استعمر وما زال يستعمر العالم، ويضطهده، ويسرقه، ويستعبده، ويقتله. هكذا الغرب إرهابي أيضاً. أما نحن فإرهابيون صغار لأننا نرفض بعضنا البعض.إلى ذلك يضيف المؤلف عنصراً آخر في تعريف أطروحته فيقول: بما أن التخلف= التكنولوجيا. إذاً فمع نقص التكنولوجيا بشكل هائل وازدياد العلم بشكل كبير سوف ينقص التخلف وبذلك يحدث التطور الحقيقي. من هنا فإن التطور يحدث مع ازدياد العلم ونقصان التكنولوجيا. ومثل خيالي على ذلك هو أن تنقص تكنولوجيتنا فتُغلَق مصانع الأسلحة رغم ازدياد معدل العلم وأبحاثه. في مثل هذا المجتمع يصبح العلم سبيلاً لخدمة البشر بدلاً من خدمة التجارة والقتل. هكذا المجتمع الأفضل هو المجتمع المتطور حيث تنقص التكنولوجيا وبذلك ينقص احتمال استغلالها سلبياً ويزداد العلم بدلاً من استغلاله لاضطهاد الآخرين. بكلام آخر، لا بد أن يكون العلم أكثر تطوراً من التكنولوجيا كي نتجنب التخلف الكامن في قتل ذواتنا.المقومات والنتائج التي يبني عليها عجمي غايته في كتابه الجديد، تبدو مفارقة. وهي تفترض كمية من الأسئلة وإشارات الاستفهام. خصوصاً أن التأسيس لأطروحة نهضوية في مجال الفلسفة السياسية يستلزم إجراءات عميقة وطويلة الأمد في عملية تفكيك البنية السوسيوتاريخية للتخلف ولاسيما في بلادنا العربية والإسلامية.

مهى رسلان





الجمعة، 3 أبريل 2009

تجلـي نظريـة دارويـن فـي الفيزيـاء والفلسـفة





حسن عجمي

شهدت نظرية داروين في الانتقاء الطبيعي انتصارا ساحقاً لم تشهده أية نظرية أخرى. فلقد سيطرت على التفكير البشري بعد إعلانها، وتم استخدامها في الميادين المعرفية كافة. لذا من المفيد أن نستعيد قراءتها ونرصد تطبيقاتها المعاصرة في الفيزياء والفلسفة، خاصة أن علماء البيولوجيا قدّموا مؤخراً دليلا قاطعاً على صدق النظرية الداروينية. منذ فترة قصيرة، أجرى فريق من العلماء اختباراً علمياً على نوع من الديدان أثبتوا من خلاله أن الارتقاء الطبيعي ليس عشوائياً، بل يتم من خلال الانتقاء الطبيعي للصفات الناجحة. وبذلك برهنوا على صدق نظرية الارتقاء لداروين. فبالنسبة إلى نظرية داروين، يرث الجسد الحي من آباءه وأجداده الصفات الناجحة التي بفضلها يتمكن من البقاء على قيد الحياة. لقد أكد هذا الاختبار أن الارتقاء أو التطور البيولوجي ليس عشوائياً بل هو ارتقاء مُحدَّد؛ فمن المحدَّد أن الأحياء يرثون الصفات الأفضل من صفات آبائهم. وبذلك من المتوقع أن ينتهي الخلاف بين العلماء حول ما إذا كان الارتقاء عشوائياً أم لاCurrent Biology.) November 2007 ). على ضوء هذا التأكيد الجديد على صدق نظرية داروين، لا بد أن ننظر إلى ما تضيفه النظرية الداروينية إلى الميادين المعرفية الأخرى.
يُقدِّم الفيزيائي لي سمولن تصورا علميا جديداً مضمونه التالي: ثمة أكوان ممكنة مختلفة في قوانينها وحقائقها. لكن هذه الأكوان غير منفصلة عن عالمنا الواقعي، بل عالمنا الواقعي ينتقل من عالم ممكن إلى عالم ممكن آخر. يضيف سمولن أن الكون محكوم بمبدأ الانتقاء الطبيعي الخاص بنظرية داروين. فكما أن الانتقاء الطبيعي يفضِّل الكائنات الحية ذات الخصائص الناجحة في إبقائها حية فيختارها لتبقى، كذلك الانتقاء الطبيعي في ميدان الكوزمولوجيا ينتقي الأكوان الممكنة ذات الخصائص الأفضل للبقاء فيختارها لتولد دون سواها. يقول إنه من الممكن علمياً أن تنشأ الأكوان الممكنة في الثقوب السوداء. وبذلك الانتقاء الطبيعي حاكم الأكوان الممكنة يختار الأكوان الممكنة الحاوية أكثر ثقوباً سوداء فيبقيها لقدرتها على إنجاب أكوان ممكنة أكثر. هكذا يعمل الانتقاء الطبيعي في ميدان الفيزياء والكوزمولوجيا. ويضيف سمولن أن عالمنا الواقعي ممتلئ بالثقوب السوداء. إذاً من الطبيعي أن يكون الانتقاء الطبيعي قد اختار عالمنا، ولذا يوجد عالمنا بالذات. هكذا يفسِّر سمولن لماذا يوجــد عالمنا بالذات (Lee Smolin : Three Roads To Quantum Gravity . 2001 .Basic Books ). هذا يرينا تطبيق النظرية الداروينية في الفيزياء وعلم الكوزمولوجيا، ما يشير إلى ولادة ميدان معرفي جديد هو البيولوجيا الفيزيائية أو الفيزياء البيولوجية.
لا تكتفي النظرية الداروينية باجتياح الفيزياء والكوزمولوجيا، بل تنشر سيطرتها على الفلسفة. مثل ذلك دخولها إلى عالم فلسفة العلم. تنقسم فلسفة العلوم إلى مذهبين أساسيين هما المذهب الواقعي realism والمذهب اللاواقعي antirealism . بالنسبة إلى المذهب الواقعي، النظريات العلمية المعاصرة ناجحة في تفسير العالم لأنها صادقة. فالمذهب الواقعي يفسِّر نجاح النظريات العلمية من خلال صدقها؛ فبما أنها صادقة، إذاً من الطبيعي أن تكون ناجحة في تفسير الكون. أما المذهب اللاواقعي فيرفض هذا التفسير لنجاح العلوم ويعتقد بأن النظريات العلمية الناجحة ليست صادقة ولا كاذبة بل هي فقط مقبولة كونها ناجحة. ويمضي المذهب اللاواقعي في تفسير نجاح النظريات العلمية المعاصرة من خلال مبادئ مختلفة عن اعتبارها صادقة. فتتنوع المذاهب ضمن المذهب اللاواقعي ومنها مذهب فان فراسن الذي يستعين بالنظرية الداروينية من أجل تفسير نجاح النظريات العلمية. بالنسبة إلى الفيلسوف فان فراسن، النظريات العلمية في صراع دارويني دام في ما بينها، وبذلك من المتوقع أن تبقى النظريات العلمية الأكثر نجاحاً وقوة. لذا النظريات العلمية المعاصرة ناجحة. فالانتقاء الطبيعي يختار بقاء الأفضل والأنجح والأقوى، لذا من الطبيعي أن يختار النظريات العلمية الأنجح ويبقيها دون سواها. هكذا يفسِّر فان فراسن نجاح النظريات العلمية المعاصرة من خلال الصراع الدارويني والانتقاء الطبيعي للصفات الناجحة (Van Fraassen : The Scientific Image . 1990 . Clarendon Press. Oxford ).
بالإضافة إلى ذلك، حارب ديكارت المذهب الشكي في المعرفة من خلال قوله المشهور «أنا أفكّر، إذاً أنا موجود». لكن رغم ذلك أسس لحجة قوية داعمة للمذهب الشكي مفادها التالي: من الممكن أننا في مجرد حلم. ولذا مهما كانت المعلومات المتوافرة لدينا لدحض المذهب الشكي، فقد نكون مجرد حالمين بها، وبذلك تستحيل البرهنة على أننا لسنا في حلم، ما يؤدي إلى ضرورة الشك في حصولنا على أية معرفة. ما زال المجتمع الفلسفي يحاول الرد على هذه الحجة، ومن تلك الردود الرد الدارويني. بالنسبة إلى الرد الدارويني، المعرفة ممكنة لأنها إذا لم تكن ممكنة ما كان الإنسان لينجح في البقاء على قيد الحياة، علماً بأنه في صراع مميت مع الطبيعة وكائناتها. فلو أنه لا يملك معرفة بما يحيط به ما كان لتمكن من البقاء حياً. من هنا المعرفة ممكنة والمذهب الشكي الذي يشك في إمكان الحصول على المعرفة هو مذهب خاطئ بلا شك. من هذا المنطلق، يقدِّم الفيلسوف كوين موقفه الدارويني في فلسفة المعرفة على النحو التالي: إذا لم يكن الاستقراء الذي يستخدمه الإنسان يوصل إلى المعرفة، فما كان ليتمكن الإنسان من أن يستمر في الحياة. فالذين لم يتوصلوا إلى معارف من خلال الاستقراء فشلوا في التكيف مع محيطهم الطبيعي وبذلك زالوا. أما الذين تمكنوا من الوصول إلى المعرفة من خلال الاستقراء فتمكنوا من التكيف مع الطبيعة والتغلب عليها وتجنب ضررها والاستفادة من مفيدها، وبذلك ظلوا أحياء وأنجبوا فاستمرت البشرية. من هنا الانتقاء الطبيعي يختار الذين يصلون إلى معارف دون سواهم فيبقيهم أحياء. هكذا بالنسبة إلى كوين تنجح النظرية الداروينية في الرد على المذهب الشكي وإعلاء إمكان المعرفة
( Quine : Ontological Relativity . 1969 . Columbia University Press ).
كما أن البيولوجي ديفيد ولسون يقدّم مثلاً واضحاً على التطبيق الشامل للنظرية الداروينية. يقول إنه من خلال النموذج الدارويني نتمكن من تفسير معظم الظواهر وفهم عالمنا وذواتنا أيضاً. بالنسبة إليه، النظرية الداروينية تملك قدرة تفسيرية هائلة تشمل تفسير الخير والشر والجمال والقبح والجسد والعقل. فمعظم الصفات التي يكتسبها أي كائن حي هي نتيجة الانتقاء الطبيعي ولها وظيفة التكيف مع المحيط والحفاظ على الحياة. فمثلاً، ما هو خيّر هو مجرد تأقلم بيولوجي يسمح لصاحبه أن يستمر على قيد الحيــــاة. فالكائنات الحية الخيّرة تتعاون من أجل تحقيق النجاح والبقاء. والعقل بذكائه يتيح لنا النجاح في التكيف مع المتغيرات، ما يجعل العقل نتيجة الانتقاء الطبيعي تماماً كالقلب والدورة الدموية وجهاز المناعة. فالكائنات الحية مُصمَّمة بعناية لأن الانتقاء الطبيعي يختار الصفات الأفضل للبقاء، أما الصفات الأفشل فتزول من جراء فشلها. فالعقل سلاحنا لتحقيق نجاح الجنس البشري في التكيف والبقاء. والخيّر هو المفيد لنا في إبقائنا أحياء. والجميل هو الذي يحسّن تأقلمنا البيولوجي؛ فالمفيد لنا نراه جميلا. فمثلا، علامات الصحة الجيدة في المرأة تدلنا على جمالها. كما أننا جزئياً نعشق ونحب كي ننجب ونستمر في أبنائنا. هكذا الحُب أيضاً تكيف بيولوجي نتيجة الانتقاء الطبيعي للأنجح والأفضل. وأدياننا ومعتقداتنا وسلوكياتنا توجد لأنها تضمن بقاءنا وإنجابنا. فمثلا، الدين ليس سوى فوائده العملية التي تؤدي إلى بناء المجتمع وبقاء الفرد ( David Wilson : Evolution For Everyone . 2007 .Delacorte Press ).
لكن التطبيق الشامل للنظرية الداروينية على الميادين المعرفية المختلفـة ليـس تطبيقاً علميا، لذا مصيره الفشل. فمهما كانت الظاهرة التي نريد تفسيرها من خلال النموذج الدارويني، فسوف نقول إنها كذلك بسبب أنها تتصارع مع ظواهر أخرى مختلفة، ولصلابة عناصرها تمكنت من الانتصار على الظواهر المنافسة لها، لذا استمرت في الوجود. هكذا مهما كانت الظواهر والحقائق والأشياء، سيتم تفسيرها من خلال النظرية الداروينية، وبذلك يستحيل تكذيبها. لكن العلم هو الذي من الممكن تكذيبه من خلال الاختبار. من هنا تطبيق النظرية الداروينية على هذا النطاق الواسع يجعلها غير علمية، لأنها لا تحدِّد بالفعل ما يجب أن تكون عليه الحقائق والظواهر، ما يجعلها غير قابلة للاختبار فتغدو غير علمية. هكذا رغم صدق النظرية الداروينية، فإن التطبيق الشامل لها على الميادين غير البيولوجية يحوّلها إلى وهم معرفي.