الثلاثاء، 30 ديسمبر 2008

الشاعر والمفكر حسن عجمي يطرح فلسفة الميزياء





قضية للنقاش

الشاعر والمفكر حسن عجمي يطرح فلسفة الميزياء

هل عاد زمن الفلاسفة العرب؟


رغم أن ظروف عصرنا الحالي مواتية لظهور حركة فلسفية عربية نشطة، قائمة علي العلم والمنطق، حيث الإمكانيات المادية متوفرة وثمة أزمات فكرية حقيقية تعاني منها الثقافة العربية وتستلزم وجود تلك الحركة، إلا أننا نشهد انحساراً فلسفياً فظيعاً، وكأننا دخلنا نفقاً طويلاً لا رجعة فيه، عنوانه: التخلف.
عندما وصلني كتاب حسن عجمي "السوبر حداثة" من بيروت إلي الدوحة قبل نحو سنة ونصف ودون سابق معرفة بالاسم شعرت بارتباك ذهني، استدعي مجموعة من العلامات: هل أعرف هذا الرجل من قبل؟ ما علاقة هذا الكتاب بكتاب آخر للكاتبة الراحلة مي غصوب "ما بعد الحداثة .. العرب في لقطة فيديو"؟ كيف عرف هذا الحسن عجمي اهتمامي بما بعد الحداثة؟ أو ما فوقها (سوبر) حيث ما زالت في بداية انتشارها عربياً؟
أسئلة كثيرة تكاثفت، ولكنها ما لبثت آخذة بالتبخر مع بدء رحلتي في قراءة سطور الكاتب الذي راح يقلب تربة الأفكار المستقرة سعياً نحو إيجاد حدائق فلسفية جديدة، حتي أنه ذكرني بالفيلسوف الفرنسي الشهير جان بول سارتر الذي جعل من الفلسفة الوجودية حديث الناس في المقاهي والسهرات!
بالأسلوب ذاته استمر حسن عجمي بعد ذلك في إصدار الكتاب تلو الآخر طارحاً فلسفته التحريضية الداعية للاستفادة من منجزات العلم والتكنولوجيا بما فيها القواعد الرياضية والفيزيائية من أجل بناء فلسفة معاصرة تعين إنسان اليوم علي حل الكثير من المعضلات الفكرية التي تواجهه، وذلك عبر سلسلة من السوبرات: "السوبر أصولية، السوبر تخلف، السوبر مستقبلية، السوبر المثالية"، وكان حسن عجمي قد أضاف للمكتبة العربية عدداً من الدواوين الشعرية والدراسات النقدية الهامة منها: "مقام الراحلين"، شعر 2000 ، و"معراج المعني"، نقد 2001 ، و"مرايا العقول - الشعر العلمي"، 2003 ، اتجه بعدها إلي الفلسفة عبر كتابه "مقام المعرفة - فلسفة العقل والمعني"، عام 2004، لتتوالي إصداراته "السوبرية" التي أشرنا إليها عبر خيال رياضي منفتح خلاق إلي درجة أن القارئ يصاب بالحيرة حول ماهية ما يكتبه عجمي: هل هو فلسفة أو علم أو شعر أو ماذا؟!

حديثاً أصدر حسن عجمي كتابه أو (فلسفته) الجديدة، إذا استبقنا الأمر: "الميزياء" وقد أضاف للعنوان مصطلحين آخرين يعتمدان علي علم الفيزياء وهما: الجيزياء (ما يجوز) والحيزياء (الحيز).
يقول حسن عجمي في مقدمة الكتاب: "الميزياء هي المذهب الفلسفي الذي يعتبر أن كل شيء يملك ميزة تفرّقه عن الأشياء الأخري، وبفضل هذه الميزة يوجد ويتشكل. علي هذا الأساس لا يوجد شيء مطابق لشيء آخر وإلا لأصبحا شيئاً واحداً. إذا وجد شيء مطابق لشيء آخر في كل صفاته، إذن لا يوجد ما يميّزه عن ذاك الشيء الآخر، وبذلك لا توجد الماهيات. فمثلاً لو وجدت ماهية للإنسان لكان كل إنسان مطابقاً لكل إنسان آخر في ماهية الإنسانية، وبذلك لزالت الميزة التي تميّز إنسانية هذا عن إنسانية ذاك، وفي حال زوال الميزة بين البشر يغدو كل البشر فرداً واحداً، وهذا مستحيل"، ويضيف: "الآن، بما أن الميزياء تؤكد علي عدم وجود الماهيات، إذن هذا يفسر لماذا لم تتمكن العقول من تحديد ماهيات الأشياء، ولماذا البحث العلمي والفلسفي هو عملية بحث وتصحيح مستمر، فبما أن الأشياء والظواهر هي أشياؤها وظواهرها بسبب ميزاتها لا بفضل ماهياتها، إذن من الطبيعي أن تغدو النظريات العلمية والفلسفية كافة فاشلة في تقديم الصورة الكاملة والنهائية للعالم وحقائقه، وبذلك من الطبيعي وجود نظريات مختلفة ومتعارضة رغم نجاحاتها الجزئية، وأن يستمر بالتالي البحث الفكري إلي ما لا نهاية ويغدو عملية تصحيح مستمر"، ويتابع: "الميزياء دراسة ميزات الأشياء والظواهر بدلاً من اختزال الأشياء والظواهر إلي ماهيات معدودة .. ويختتم الشاعر والمفكر حسن عجمي مقدمته قائلاً: "الميزياء هي المذهب الفكري المناقض للاختزال، فبدلاً من تحليل المفاهيم واختزالها إلي مفهوم واحد أو مفاهيم معدودة، لا بد من إلقاء الضوء علي ميزة كل شيء وتميّزه عن الأشياء الأخري، وبذلك يتضح لنا كيانه علي حقيقته بدلاً من أن نبقي مسجونين في نطاق بعض المبادئ والمفاهيم الأولية غير القابلة للتحليل، والتي علي أساسها يقوم تحليل المفاهيم الأخري وتفسير الظواهر. هكذا نخرج من فلسفة التحليل والتفسير إلي فلسفة الميزة".
فلسفة حسن عجمي الجديدة تطرح سؤالاً كبيراً: هل عاد زمن الفلاسفة العرب؟ لم لا؟ ألم يبدأ ظهور ابن طفيل وابن رشد والفارابي وابن سينا والكندي بهذه البساطة من الشرح والتحليل والتفسير لبعض المفاهيم القديمة والجديدة؟ ثم راحوا يطرحون أفكارهم وآراءهم الخاصة .. يقع كتاب "الميزياء" في 152 صفحة من القطع المتوسط وهو صادر عن الدار العربية للعلوم، ناشرون في بيروت 2007.


عبد الله الحامدي